أبو الليث السمرقندي

470

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

أقوياء يعملون بأرجلهم ، كما يعملون بأيديهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ يعني : ليسوا كأعوان ملوك الدنيا يمتنعون بالرشوة ، ولكن يفعلون ما يُؤْمَرُونَ يعني : لا يفعلون غير ما أمرهم اللّه تعالى . ثم قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يعني : يقول لهم الملائكة يوم القيامة حين يعتذرون : لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ يعني : لا يقبل منكم العذر . إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني : تعاقبون بما كنتم تعملون في الدنيا من المعاصي . ثم أمر المؤمنين بالتوبة عن الذنوب . فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً يعني : صادقا في توبته ، ويقال : تنصحون للّه فيها من غير مداهنة . وروى سماك بن حرب ، عن النعمان بن بشير قال : سئل عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - عن التوبة النصوح ، فقال : هو الرجل يتوب من عمل السوء ، ثم لا يعود إليه أبدا . وروي ، عن ابن عباس أنه قال : توبة النصوح : الندم بالقلب ، والاستغفار باللسان ، والإضمار أن لا يعود إليها . قرأ نافع ، وعاصم في إحدى الروايتين تَوْبَةً نَصُوحاً بضم النون ، والباقون بالنصب . فمن قرأ بالنصب ، فهو صفة التوبة يعني : توبة بالغة في النصح ، كما يقال : رجل صبور وشكور . ومن قرأ بالضم ، يعني : ينصحوا بها نصوحا ، كما يقال : نصحت له نصحا ونصوحا . ثم قال : عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني : يغفر لكم ما مضى من ذنوبكم إن تبتم . وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ صار اليوم نصا لنزع الخافض يعني . يكفر عنكم في يوم لا يخزي اللّه النبي . قال الكلبي : يعني : لا يعذب اللّه النبي ، ويقال : يوم لا يخزيه فيما أراد من الشفاعة . وغيره ، وتم الكلام . ثم قال : وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني : على الصراط . وروى الحسن ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من المؤمنين من نوره أبعد ما بيننا وبين عدن أبين ، ومنهم من نوره لا يجاوز قدميه » ، فقال : نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني : يضيء بين أيديهم . وَبِأَيْمانِهِمْ يعني : عن أيمانهم وعن شمائلهم على وجه الإضمار . يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا ، ذلك حين طفئت أنوار المنافقين ، أشفق المؤمنون على نورهم ، ويتفكرون فيما مضى منهم من العذاب ، فيقولون : رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا يعني : احفظ علينا نورنا ، وَاغْفِرْ لَنا ما مضى من ذنوبنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من إتمام النور والمغفرة . [ سورة التحريم ( 66 ) : الآيات 9 إلى 12 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 9 ) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ( 10 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 11 ) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ( 12 )